فصل: إعجام القرآن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدخل لدراسة القرآن الكريم



.إعجام القرآن:

الإعجام هو ما يدل على ذوات الحروف، وتمييز الحروف المتماثلة في الرسم بعضها عن بعض، قال في القاموس وشرحه تاج العروس مادة عجم: وأعجم فلان الكلام أي: ذهب به إلى العجمة- بالضم- وكل من لم يفصح بشيء فقد أعجمه، وأعجم الكتاب خلاف أعربه- كما في الصحاح- أي: نقطه، وفي النهاية أزال عجمته كعجمه عجما وعجمه تعجيما... وقال ابن جني: أعجمت الكتاب أزلت استعجامه، قال ابن سيده: وهو عندي على السلب... وقالوا عجمت الكتاب فجاءت فعلت للسلب أيضا، كما جاء أفعلت وله نظائره وقد تقدم في مادة شكل أن الشكل هو: الإعجام فكل منهما يرادف الآخر لغة، غير أن الاصطلاح فرق بينهما كما علمت فخص الشكل بالحركات، والإعجام بالنقط.
ولم تكن المصاحف منقوطة في مبدأ الأمر؛ لأن الاعتماد لم يكن على القراءة من المصحف، بل كان على التلقي والسماع، ولتبقى صورة الكلمة الواحدة في الخط صالحة لكل ما صح وثبت من وجوه القراءات، ولما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه جردوا القرآن ولا تخلطوه بشيء أخرجه أبو عبيد وغيره.

.أول من نقط المصاحف:

وقد اختلف المؤرخون في النقط: فمنهم من يرى أن الإعجام كان معروفا قبل الإسلام لتمييز الحروف المتشابهة، غير أنه ترك عند كتابة المصاحف لما ذكرنا، ومنهم من يرى أن الإعجام لم يعرف إلا من طريق أبي الأسود الدؤلي، ثم اشتهر ووضع في القرآن في عهد عبد الملك بن مروان والظاهر الأول، لأنه يبعد جدّا أن لا يكون للحروف علامات تميز المتشابهات بعضها عن بعض. ومهما يكن من شيء فقد اشتدت الحاجة إليه حينما اتسعت رقعة الإسلام، واختلط العرب بالعجم، وبدأ اللبس والإشكال في قراءة المصاحف، حتى ليشق على الكثير منهم أن يميزوا بين حروف القرآن وقراءاته في مثل قوله تعالى: {ننشرها} و{نُنْشِزُها} وقوله: {فَتَبَيَّنُوا} فتثبتوا فاهتم عبد الملك بن مروان بذلك وأمر الحجاج أن يعنى بهذا الأمر الجليل، فاختار الحجاج له رجلين من خيرة المسلمين نصر بن عاصم الليثي، ويحيى بن يعمر العدواني، تلميذي أبي الأسود الدؤلي، وكانا من الورع والصلاح؛ وبلوغ الغاية في العربية، والقراءات بمكان، فوضعا النقط من واحدة إلى ثلاث للحروف المتشابهة، وكان في هذا توفيق عظيم للأمة إلى هذا العمل الذي يتوقف عليه حفظ القرآن الكريم.
وقيل أن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي وأن ابن سيرين كان له مصحف نقطه له يحيى بن يعمر، ويمكن التوفيق بين هذا وما تقدم بأن أبا الأسود أول من نقط المصحف بصفة شخصية، وتبعه في ذلك ابن سيرين، وأما عبد الملك فأول من أمر بنقط المصحف بصفة عامة رسمية شاعت وذاعت بين الناس قاطبة.

.ما استحدث في كتابة المصاحف:

وأما ما استحدث في كتابة المصاحف من التحزيب والتجزئة والتخميس والتعشير وكتابة فواتح السور وخواتمها، ونحو ذلك فكل ذلك مما زيد لغرض التيسير على القارئ، ولكن ليس له من الأهمية ما للشكل والنقط قال قتادة: بدءوا فنقطوا ثم خمسوا وعشروا، وقال غيره: أول ما أحدثوا النقط عند آخر الآي ثم الفواتح والخواتم.
وقد جزأ العلماء القرآن تجزئات شتى: منها التجزئة إلى ثلاثين جزءا وأطلقوا على كل واحد منها اسم الجزء بحيث لا يخطر بالبال عند الإطلاق غيره، فإذا قال قائل: قرأت جزءا من القرآن تبادر للذهن أنه قرأ جزءا من الأجزاء الثلاثين، ثم جزؤا كل واحد من هذه الأجزاء الثلاثين إلى جزءين، وقد أطلقوا على كل واحد منها اسم الحزب؛ فصارت الأحزاب ستين حزبا، فمثلا من أول الفاتحة إلى قوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهاءُ} جزء: ومن {سَيَقُولُ السُّفَهاءُ} إلى {تِلْكَ الرُّسُلُ} جزء وهكذا، ومن أول الفاتحة إلى قوله: {وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} حزب، ومن {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} إلى {وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ} حزب، وهكذا وجعلوا الجزء ثمانية أرباع، والحزب أربعة أرباع؛ وقد جرت عادة كثير من نساخ المصاحف أن يذكروا اسم الأجزاء والأحزاب والأرباع في حاشية المصحف غير أنهم يكتبون ذلك بخط مخالف لخطه ومداد مخالف لمداده تحوطا من أن يظن أنه من القرآن.

.حكم نقط المصحف وشكله وما شابه ذلك:

كان العلماء في الصدر الأول يرون كراهة نقط المصحف وشكله ونحوهما مبالغة منهم في المحافظة على القرآن من التزيد، وكتابته في المصاحف على هيئة ما كتب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.
أخرج أبو عبيد، عن النخعي أنه كره نقط المصاحف وأخرج ابن أبي داود عنه أنه كان يكره العواشر، والفواتح، وتصغير المصحف وأن يكتب فيه سورة كذا وكذا، ولما أتي بمصحف مكتوب فيه سورة كذا، كذا آية قال: امح هذه فإن ابن مسعود كان يكرهه، وعن الإمام مالك أنه كره العشور التي تكون في المصحف بالحمرة وغيرها، وعنه أنه قال: لا بأس بالنقط في المصاحف التي يتعلم فيها الغلمان، أما الأمهات فلا.
ولكن الحال قد تغيرت عما كان في العهد الأول: فاضطر المسلمون إلى نقطه وشكله للمحافظة على القرآن من اللحن والتغيير والتصحيف، وللتيسير على الحفاظ والقارئين، وبعد أن كانوا يكرهون ذلك صار واجبا أو مستحبا، لما هو مقرر في علم الأصول من أن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، قال الإمام النووي في التبيان ما نصه: قال العلماء: ويستحب نقط المصحف وشكله، فإنه صيانة من اللحن فيه وتصحيفه، وأما كراهة الشعبي والنخعي النقط فإنما كرها ذلك في ذلك الزمان خوفا من التغيير فيه، وقد أمن ذلك اليوم، فلا منع، ولا يمنع من ذلك لكونه محدثا، فإنه من المحدثات الحسنة فلا يمنع منه كنظائره، مثل تصنيف العلم وبناء المدارس والرباطات، وغير ذلك والله أعلم والخطب في هذا ونحوه مثل التنبيه على الوقوف والسكتات سهل ما دام الغرض هو التيسير والتسهيل على القارئ، وما دام الأمر بعيدا عن اللبس والتزيد والاختلاق وما دام الأمن متوفرا.

.احترام المصحف:

لا يكاد التاريخ الصادق يعرف كتابا أحيط بهالة من التقديس والتكريم مثل ما عرف ذلك للقرآن الكريم، ولا عجب فقد وصفه الحق جل وعلا بأنه كتاب مكنون، وحكم بأنه لا يمسه إلا المطهرون، وأقسم على ذلك حيث يقول: {فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ} [الواقعة: 75- 80] ولقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن السفر به إلى أرض العدو، إذا خيف وقوع المصحف في أيديهم، كما روي في الصحيحين، وقد أفتى العلماء بكفر من مزقه أو أهانه أو رمى به في قاذورة، وبحرمة من باعه لكافر، ولو ذميّا، وأوجبوا الطهارة لمسه وحمله، بل قالوا لكل ما يتصل به من خريطة وغلاف، وصندوق على الصحيح، واستحبوا تحسين كتابته وإيضاحها، وتحقيق حروفها، وتعظيمها، وعدم تصغيرها، كما استحبوا تعظيمه والقيام له، قال الإمام النووي: ويستحب أن يقوم للمصحف إذا قدم به عليه؛ لأن القيام يستحب للعلماء والأخيار فالمصحف أولى. ويجب على من عنده مصاحف أو أوراق منها غير صالحة للقراءة أن يصونها عن مواطئ الأقدام وعن عبث الصبيان، وعليه أن يحرقها أو يدفنها في الأرض بعيدا عن مواطئ الأقدام والقاذورات، رزقنا الله سبحانه التأدب معه ومع كتابه.

.المبحث العاشر: ثبوت النص القرآني بالتواتر المفيد للقطع واليقين:

لم يعرف التاريخ في عمره الطويل كتابا أحيط بسياجات من العناية والرعاية مثل ما عرف ذلك للقرآن الكريم، ولا كتابا ثبت في جملته وتفصيله بالتواتر المفيد للقطع واليقين مثل ما عرف ذلك للقرآن الكريم، ولا كتابا أوجب الله حفظه على الأمة كلها غير القرآن الكريم، ولا كتابا سلم من التحريف والتبديل غير القرآن الكريم.
وقد احتاط النبي صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة رضوان الله عليهم لهذا الكتاب غاية الاحتياط، فلم يكتفوا بحفظه في الصدور، وعلى صفحات القلوب، وإنما جمعوا إلى الحفظ الكتابة في الرقاع، والعسب، والأكتاف، واللخاف ونحوها، ثم في الصحف ثم في المصاحف كما بينت ذلك فيما سبق من الفصول، وبذلك اجتمع للقرآن الوجودان: الوجود في الأذهان والصدور، والوجود في الكتابة والصدور.
ولم يكن المعول عليه في حفظ القرآن وتلقيه الأخذ من الرقاع، والصحف، والمصاحف، وإنما كان المعول عليه الأول التلقي الشفاهي، والأخذ بالسماع، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخذ عن أمين الوحي جبريل عليه السلام، وعن النبي أخذ الكثير من الصحابة النجباء، العدول، الضابطين الأمناء، وعن الصحابة أخذ الألوف من التابعين الفضلاء، وهكذا نقله العدد الكثير، عن العدد الكثير، حتى وصل إلينا كما أنزله الله من غير زيادة، ولا نقصان، ولا تغيير، ولا تحريف مصداقا لقول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ} وقد كان من أسباب توثيق النص القرآني، حفظ النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن، وحفظ الصحابة له.